سيكولوجية العنب الحامض
لماذا نقلّل من قيمة ما لا نستطيع الوصول إليه؟
كان هناك ثعلبٌ جائع يتجول بين أشجار العنب.
نظر إلى حبةٍ ناضجة تتدلى من الغصن، وراح يقفز ويحاول.. ولم يفلح. فابتسم بمكرٍ بارد وقال:
“إنه حامض على أي حال.”
ورحل، رافضًا الاعتراف بأن جسده لم يبلغ ما رآه.
هذا الثعلب، البسيط في تصرفه، أصبح عبرة للأجيال، اجيالٌ تسمى اليوم بـ “ فلاسفة العنب الحامض “ أكثر فصاحةً في الكذب على أنفسهم، وأشطر في تغليف الهزيمة بالفلسفة.
كلّنا ثعالب… ولكن بأناقة
كلّنا ثعالب، لكن بدرجاتٍ متفاوتة من الأدب.
بعضنا يقولها صريحة: “العنب حامض”، وبعضنا يكتبها على شكل منشور عميق في إنستغرام:
“أحيانًا يُبعد الله عنك أشياء لا تستحقك.”
هكذا نعيش مطمئنين، متصالحين مع فكرة أن ما لم نحصل عليه لم يكن يليق بنا أصلًا.. لا لشيء، بل لأن الحقيقة مؤلمة أكثر من اللازم.
الحقيقة أن العنب لم يكن حامضًا، ونحن فقط لم نصل إليه.
حين يفشل الإنسان… يترقّى إلى فيلسوف
يخسر أحدهم وظيفة، فيتحول بين عشيةٍ وضحاها إلى ناقدٍ عبقريّ لثقافة الشركات:
“لا أحب العمل الروتيني أصلًا، أريد الحرية!”
وكأن الحرية لم تكن إلا غطاءً أنيقًا للبطالة.
وتُغلق في وجه آخر علاقة كان يحلم بها، فيبدأ سلسلة منشورات عن “الكرامة أولًا” و”الناس ما عاد فيهم وفاء”.
يا عزيزي، ليست المسألة كرامة ولا وفاء، المسألة أنك لم تُقبل. فقط.
لكننا لا نتحمّل أن نبدو مرفوضين، فنتزيّن بعبارات فلسفية ونسمّي الهروب “نُضجًا”، والخذلان “قدرًا جميلاً”.
كل من يفشل عندنا يتحوّل فورًا إلى فيلسوف صغير:
• من لم تُقبل روايته يلعن “انهيار الذائقة الأدبية”.
• من طُرد من عمله يتحدث عن “التحرر من عبودية الوظيفة”.
• من لم يجد من يُحبه يخترع نظرية اسمها “العزلة النبيلة”.
العقل… فنان تبريرٍ من الطراز الرفيع
العقل البشريّ ذكي جدًا حين يتعلّق الأمر بتزييف مشاعره.
يخلق مبررات مثل فنانٍ يرسم لوحة أعذار، ثم يعلّقها على جدار الكِبر، ويجلس يتأمّلها بفخر.
هذه هي سيكولوجية العنب الحامض:
أن تُقنع نفسك أن ما لم تبلغه لم يكن يستحقك، لا لأنك متصالح… بل لأنك موجوع.
خداع الذات بلغةٍ لطيفة
نحن نرتدي العبارات كدرعٍ ضد الحقيقة، ونُسمي العجز “اختيارًا”، والفشل “تجربة”، والرفض “وقاية من الله”.
ولا مشكلة في التجميل، لكن حين يتحوّل التجميل إلى إنكار، نصبح نسخة هشة من أنفسنا.. نكذب لنبدو بخير، ونُقلّل لنشعر أننا كبار.
هل جرّبت يومًا أن تعترف أنك أردت شيئًا ولم تحصل عليه؟
أن تقولها بصراحة: “كنت أتمنى، ولم أستطع.”؟
ذلك الاعتراف هو اللحظة الوحيدة التي تكون فيها صادقًا مع نفسك، لا ثعلبًا يرتدي ثوب الحكيم.
نحن مجتمع يتقن التبرير أكثر من الإبداع، نحمل فشلنا كما يحمل الطفل لعبته المكسورة، ونقنع الجميع أنها قطعة فنية!
نتحدث عن “الرضا” ونحن نغلي من الداخل، ونكتب عن “الزهد” لأن السوق لم يقبل عرضنا.
بل حتى الذين لم يدخلوا سباقًا قط، يخرجون منه بفخرٍ غريب ويقولون:
“السباق أصلاً تافه.”
كم هو سهل أن نبدو حكماء بعد أن نفشل.
أن نصنع من الانسحاب بطولة، ومن الرفض فلسفة.
لكن الأصعب — والأندر — أن نقول لأنفسنا ببساطة:
“لقد حاولت ولم أبلغ، وسأحاول ثانية.”
ختامًا: من الحموضة إلى الصدق
سيكولوجية العنب الحامض مريحة… لكنها لا تُشبع.
تُسكِت الألم، لكنها لا تشفيه.
تُخدّر الكِبر، لكنها لا تُرمم الكسر.
وما لم نواجه هذا الصدق المر، سنبقى نعيش على فتات المبررات، نُزيّنها بالأقوال، ونُمررها على أنها وعيٌ وتوازنٌ وسلامٌ داخلي.
في النهاية، العنب ليس هو الحامض…
نحن الذين امتلأت ألسنتنا بالمرارة.
- كُتب بقلم خَمُد



سلمت الأنامل، اللي ما يطول العنب يقول عنه حامض🙏🏼
تسلم ايدك فعلا فعلا مثل المثل الي يقول (اللي ملحقش عنقود العنب قال حامض)